الشيخ محمد رشيد رضا
400
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) فهذا ميثاق اخذه منهم بعد بعثهم كما أخذ من أممهم بعد انذارهم وهذا الميثاق الذي لعن سبحانه من نقضه وعاقبه بقوله تعالى ( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ) فإنما عاقبهم بنقضهم الميثاق الذي أخذه عليهم على ألسنة رسله وقد صرح به في قوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ولما كانت هذه الآية ونظيرها في سورة مدنية خاطب بالتذكير بهذا الميثاق فيها أهل الكتاب فإنه ميثاق أخذه عليهم بالايمان به وبرسله ولما كانت آية الأعراف هذه في سورة مكية ذكر فيها الميثاق والاشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقروا بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة وينقطع به العذر وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الاهلاك فلا بد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به وذلك بما فطرهم عليه من الاقرار بربوبيته وانه ربهم وفاطرهم وانهم مخلوقون مربوبون ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم ويعرفونهم حقه عليهم وأمره ونهيه ووعده ووعيده ونظم الآية انما يدل على هذا من وجوه متعددة ( أحدها ) أنه قال وإذ أخذ ربك من بني آدم ولم يقل آدم وبنو آدم ( الثاني ) أنه قال من ظهورهم ولم يقل ظهره ، وهذا بدل بعض من كل أو بدل اشتمال وهو أحسن ( والثالث ) أنه قال ذرياتهم ولم يقل ذريته ( الرابع ) أنه قال وأشهدهم على أنفسهم أي جعلهم شاهدين على أنفسهم فلا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما شهد به وهو انما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار لا يذكر شهادة قبلها ( الخامس ) انه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الاشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة ( انا كنا عن هذا غافلين ) والحجة انما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل ( السادس ) تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين معلوم انهم غافلون بالاخراج لهم من صلب آدم كلهم واشهادهم